الياس شوفاني
73
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
الممالك الكنعانية المحلية لكل منهما . وكان مجرى العاصي ، على العموم ، هو الحد الفاصل ، الأمر الذي يعني أن فلسطين والساحل الفينيقي كانا من نصيب المصريين . إلّا إنه في نهاية الربع الأول من القرن الرابع عشر قبل الميلاد ، عاد الحثيون إلى البروز بقوة على مسرح الأحداث . فقضوا على ميتاني سنة 1377 ق . م . ، وواصلوا زحفهم في أراضي سورية ، معتبرين أن مناطق نفوذ ميتاني هي ميراثهم الشرعي . واندلع الصراع بين مصر والحثيين ، الذين سعوا لإثارة القلاقل في مناطق النفوذ المصري ، لكنهم لم يقدموا على احتلالها . وطالت الحرب بين الحثيين والمصريين ، واستمرت أكثر من قرن ، عجز فيها الطرفان عن الحسم ، نظرا إلى توازن القوى بينهما ، وأيضا بسبب بعدهما ، كلّ عن عاصمة الآخر ، كما أن الممالك الكنعانية في بلاد الشام كانت لها حسابات خاصة بها ، تسعى لتحقيقها من خلال توظيف الصراع بين القوتين لمصلحتها . ومنذ منتصف القرن الرابع عشر ، بدأت قبضة مصر على أرض - كنعان تضعف ، ليس إزاء الحكام المحليين فحسب ، بل أيضا تجاه قبائل رحالة ، عرفت باسم العابيرو ( الحابيرو ) من جهة ، وتجاه الحثيين ، من جهة أخرى . ومات توت عنخ أمون من دون وارث ، وسعت أرملته للتحالف مع ملك الحثيين - شوبيلوليوما - وحتى الزواج منه ، إنقاذا لعرشها ، لكنها لم تفلح . وعلى أرضية الصراع الداخلي بين الفرعون وطبقة الكهنة ، الذي اتخذ طابعا لاهوتيا أيام أخناتون ، وإزاء التهديد الحثي من الشمال ، واختلال الأمن في أرض - كنعان ، بفضل العابيرو الرحل ، قامت السلالة 19 في مصر ( 1323 - 1190 ق . م . تقريبا ) . وذلك بعد موت توت عنخ أمون من دون وارث ، وتولي بعض قادة الجيش ضبط الوضع الداخلي ، إزاء عجز أرملة الفرعون عن ذلك . وسعى فراعنة هذه السلالة ، بدءا بمؤسسها ، القائد رعمسيس ( رامسيس ) الأول ( 1323 - 1321 ق . م . تقريبا ) لاستعادة موقع مصر في غرب آسيا . وتبعه ابنه سيتي وحفيده رعمسيس الثاني ، بانتهاج سياسة تذكر بتلك التي قادها تحتمس الثالث من السلالة 18 . وبصعود السلالة 19 إلى الحكم في مصر ، بدأت مرحلة جديدة من تعاظم قوتها وتوسعها ، وظهرت آثار ذلك في فلسطين أولا . فرعمسيس الأول ، الذي حكم فترة قصيرة ، لم يوجه اهتمامه إلى الولايات المصرية في آسيا . لكن ابنه سيتي الأول ، الذي حكم نحو عشرين عاما ( 1321 - 1302 ق . م . ) تقريبا ، سارع إلى استعادة سيادة مصر في غرب آسيا . فأقام الحصون على الطريق المؤدي إلى فلسطين في شمال سيناء . وقام بحملات تأديبية ضد القبائل الرحالة ( شوسي ) ، التي كانت تهدد تجارة